محمد الريشهري
58
موسوعة معارف الكتاب والسنة
حين أفضت النظرية الثانية إلى تكريس مهجورية القرآن أكثر فأكثر . بعد أن يلقي العلّامة الطباطبائي في تفسيره القيّم الميزان نظرة ملأى بالحزن والأسى إلى الماضي ، يكتاب مقيّماً ما انتهى إليه ذلك الواقع المؤسف ، قائلًا : ولعلّ المتراءى من أمر الامّة لغيرهم من الباحثين كما ذكره بعضهم : أنّ أهل السنّة أخذوا بالكتاب وتركوا العترة ، فآل ذلك إلى ترك الكتاب لقول النبيّ صلى الله عليه وآله : « إنّهما لن يفترقا » وأنّ الشيعة أخذوا بالعترة وتركوا الكتاب ، فآل ذلك منهم إلى ترك العترة لقوله صلى الله عليه وآله « إنّهما لن يفترقا » فقد تركت الامّة القرآن والعترة ( الكتاب والسنّة ) معاً . « 1 » يطلّ العلّامة الطباطبائي على المشهد انطلاقاً من عرض نظرية ثالثة إزاء النظريّتين السابقتين ، تتمثّل في أنّ معرفة القرآن ليست بحاجة إلى السنّة ، ما خلا بعض الموارد الخاصّة من قبيل تفصيلات الأحكام والقصص والمعاد ، ففهم القرآن إنّما يكون ممكناً بالاستمداد من القرآن نفسه والاستعانة به ، ومن ثَمَّ فقد تمثّلت مهمّة النبيّ صلى الله عليه وآله وأهل بيته الكرام في هذا المضمار ، بإرشادنا إلى هذا الطريق ودلالتنا على هذا المنهاج التعليمي ، انطلاقاً من موقعهم كمعلّمين للقرآن ، يكتاب العلّامة مدلّلًا على هذه المعاني : إنّ الآيات التي تدعو الناس عامّة من كافر أو مؤمن ممّن شاهد عصر النزول أو غاب عنه إلى تعقّل القرآن وتأمّله والتدبّر فيه ، وخاصّة قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 2 » ، تدلّ دلالة واضحة على أنّ المعارف القرآنية يمكن أن ينالها الباحث بالتدبّر والبحث ، ويرتفع به ما يتراءى من الاختلاف بين الآيات ، والآية في مقام التحدّي ، ولا معنى لإرجاع فهم معاني الآيات - والمقام هذا المقام - إلى فهم
--> ( 1 ) . الميزان في تفسير القرآن : ج 5 ص 276 . ( 2 ) . النساء : 82 .